أصول وتاريخ متحف بروكلين
تمتد جذور متحف بروكلين إلى عام 1823، حين بدأت مسيرتها كـ "مكتبة المتدربين في بروكلين". لقد تأسست هذه المؤسسة بغاية نبيلة ومحددة، وهي توفير الفرص التعليمية لـ الطبقة العاملة في المدينة. ومع تسجيلها رسمياً في الرابع والعشرين من نوفمبر عام 1824، استمرت المؤسسة في التطور والنمو جنباً إلى جنب مع المجتمع المتنامي. وفي عام 1843، شهدت المؤسسة تحولاً جوهرياً باندماجها مع معهد بروكلين للفنون والعلوم، وهي خطوة وسعت من نطاق تأثيرها وعمق رسالتها داخل المدينة.
أما المبنى الحالي، الذي يجسد حضور المتحف المهيب في بروكلين، فيعود تاريخه إلى عام 1897. وقد جاء هذا الصرح ليحل محل نماذج سابقة طواها الزمن، بما في ذلك مبنى شارع واشنطن الذي التهمه الحريق في عام 1891. إن هذا التحول من مجرد مكتبة مخصصة للعمال إلى مؤسسة ثقافية ضخمة يعكس الاحتياجات المتغيرة لمدينة نيويورك على مر قرنين من الزمان. ومنذ انطلاقتها الأولى، خضع المتحف لعدة عمليات توسعة، ليتطور من بداياته المتواضعة إلى مستودع عظيم يضم كنوز التاريخ العالمي.
العمارة وطراز "الفنون الجميلة" في المبنى
يعتبر المبنى في حد ذاته عملاً فنياً جليلاً، صممته شركة "ماكيم وميد ووايت" الشهيرة. يتربع هذا الصرح المعماري بالقرب من أحياء بروكلينت هايتس، وكراون هايتس، وفلاتبوش، وبارك سيلوب، حيث يجسد طراز "الفنون الجميلة" (Beaux-Arts) بكل ما يحمله من تناظر دقيق وتفاصيل متناهية الإتقان. وتتسامى الأعمدة الكورنثية نحو السماء في شموخ، بينما تزدان الواجهات بمنحوتات معقدة تضفي لمسة من السحر على المثلثات الجبهية، مما يخلق هيبة بصرية تملأ النفس بالرهبة والترقب حتى قبل أن يخطو الزائر أولى خطواته عبر الأبواب.
أما في الداخل، فتمنح قاعة المدخل المهيبة شعوراً يمزج بين الفخامة والاحتواء؛ حيث تقودك الدرجات العريضة في رحلة عبر فضاءات شاسعة تحدد ملامحها الأسقف المرتفعة، والأرضيات الرخامية، والزخارف الجصية التي نُحتت بعناية فائقة. وتتزين الجدران الداخلية بجداريات ضخمة تصور مشاهد من الأساطير والتاريخ، مما يغرس في وجدان الزائر إحساساً عميقاً بـ السرد التاريخي. إن العناية الفائقة بتوزيع الضوء واستغلال المساحات داخل هذه القاعات تضفي بُعداً روحياً يعزز تجربة التأمل في الكنوز والقطع الفنية التي تحتضنها هذه الجدران.
مجموعات متنوعة وفن عالمي
يحتضن المتحف مجموعة موسوعية تضم أكثر من 140,000 قطعة فنية تمثل ثقافات من شتى أنحاء العالم، حيث يشكل هذا التجمع الهائل ما يزيد عن نصف مليون قطعة في المجمل. ومن بين هذه الكنوز، تبرز الآثار المصرية لتقدم لنا لمحة ساحرة عن حياة ومعتقدات الفراعنة ورعاياهم؛ إذ تقف هذه القطع كبقايا مادية من عصر غابر، وتمنحنا اتصالاً مباشراً بالطقوس والبنى الاجتماعية لـ مصر القديمة.
ويمتد اتساع هذه المجموعة ليشمل تقاليد وعصوراً مختلفة، حيث تحتضن جدران المتحف مجموعات استثنائية تمثل الفنون الأوروبية، والأفريقية، والأوقيانوسية، والفن الياباني. وتتيح هذه الأعمال فرصة للتأمل الهادئ في كيفية تناول المجتمعات المختلفة لمفاهيم الشكل والمعنى. وإلى جانب هذه التقاليد العالمية، يحافظ المتحف على حضور لافت لـ الفن الأمريكي، من خلال أعمال فنية تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية.
إن ضخامة هذه المقتنيات تضمن تمثيل وجهات نظر متعددة ومتباينة، حيث يخلق وجود هذه القطع المتنوعة فضاءً تتجاور فيه السرديات التاريخية المختلفة. فكل قطعة، بدءاً من الأشياء الجنائزية الصغيرة وصولاً إلى التجهيزات الفنية الضخمة، تساهم في تعميق الإرث الثقافي لهذه المؤسسة العريقة.
روائع فنية وفنانون خالدون
تتجلى عظمة هذه المجموعة الفنية من خلال ثقل التعبيرات الفردية التي تفيض بها الأروقة، حيث تستحوذ أعمال وينسلو هويمر على الأنظار، ولا سيما لوحة عبر الصخور التي يعود تاريخها إلى عام 1883 تقريباً. وتتعايش هذه القطع الفنية جنباً إلى جنب مع العزلة الحضرية الهادئة التي نلمسها في لوحات إدوارد هوبر، والمساحات اللونية الغامرة التي يجسدها مارك روثكو. يقدم كل فنان رؤية متفردة للعالم، تتراوح بين الملامح الخشنة للمناظر الطبيعية وبين العمق النفسي الذي تعكسه الحياة الحديثة.
وفي ردهات المعارض، يصبح الحوار بين العصور المختلفة ملموساً وحياً؛ فلوحة بول سيزان المعنونة قرية غاردان، والتي رُسمت عام 1885، تفرض حضورها الطاغي في مواجهة أعمال إدغار ديغا وكاميل بيسارو. تمثل هذه اللوحات لحظات محددة من الضوء والشكل ظلت متجمدة في الزمن. كما يحتضن المتحف العمل التركيبي الهام "حفلة العشاء" للفنانة جودي شيكاغو، وهو عمل يملأ الفضاء بجاذبية فريدة ومقصودة.
- قرية غاردان، 1885 - بول سيزان
- عبر الصخور، حوالي 1883 - وينسلو هويمر
