فيلا من عصر النهضة تحتضن عالماً من الفنون: اكتشاف متحف فيلبورك
لا يعد متحف فيلبلوك للفنون، القابع في قلب مدينة تولسا النابضة بالحياة بولاية أوكلاهوما، مجرد مؤسسة مكرسة للحفاظ على التراث الفني فحسب؛ بل هو بوابة زمنية تعبر بنا إلى حقبة غابرة، وسردية صيغت بدقة متناهية من عظمة العمارة، والتنوع الثقافي، وروح العطاء الخالدة. لقد صُممت "فيلا فيلبورك" في الأصل لتكون مسكناً خاصاً لعملاق النفط وايت فيليبس وزوجته جينيفيف خلال عشرينيات القرن الماضي الصاخبة، وتقف الفيلا اليوم كنموذle فريد من نوعه لتصاميم عصر النهضة الإيطالي، مجسدةً تطلعات مالكيها وعاكسةً الذوق الرفيع لتلك الحقبة. وبفضل لمسات المعماري إدوارد بوهلر ديلك، تتجلى واجهة الفيلا المكسوة بالجص المزخرف، والمزدانة بتفاصيل أنيقة من حجر كاسوتا الجيري، مع أبواب مقوسة تدعو الزوار للدخول إلى فضاء يفوح بعبق التاريخ والرقي.
وتتجلى في مجموعة المتحف سيمفونية من التعبيرات الفنية التي تتجاوز الحدود الجغرافية والعصور الزمنية، لتقدم بانوراما مذهلة للإنجاز الإبداعي البشري. وبينما تهيمن الروائع الأوروبية على أروقة المعرض —من أعمال تجسد المدارس الانطباعية والرومانسية والباروكية— فإن التميز الحقيقي لفيلبورك يكمن في مقتنياتها الاستثنائية من فنون السكان الأصليين لأمريكا. هنا، يلتقي الزوار بقطع خزفية تأسر الأنفاس، صاغتها يد الفنانة ماريا مارتينيز، فنانة قبيلة ألبوكيركي، التي نجحت تقنيات الطلاء المبتكرة لديها في التقاط جوهر تقاليد الجنوب الغربي. كما تتحدث السلال المنسوجة بدقة، والمحملة بمعارف الأجداد عبر الأجيال، عن براعة الحرف اليدوية للهنود الحمر وهويتهم الثقافية، جنباً إلى جنب مع لوحات نابضة بالحياة تصور مشاهد من حياة السكان الأصليين، حيث ترسم البورتريهات شخصيات روحانية ومناظر طبيعية تعكس جمال الجنوب الغربي الأمريكي. وعلاوة على ذلك، تبرز المجوهرات الساحرة التي صنعها حرفيو النافاجو كرمز للمهارة الفنية والإرث الثقافي. ولا تتوقف الرحلة عند هذه الكنوز التأسيسية، بل تمتد المعارض لتغوص في المنحوتات الأفريقية المفعمة بالرموز العميقة، والخزف الآسيوي الرقيق الذي يكشف عن قرون من الحرفية الدقيقة، وصولاً إلى القطع الأثرية التي تنقل المشاهد إلى حضارات غابرة، من مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين إلى اليونان، بينما تتحدى الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة المفاهيم التقليدية، مستعرضةً فنانين يتجاوزون الحدود الإبداعية ويناقشون القضايا الاجتماعية الملحة.
وتعتبر فيلا فيلبورك في حد ذاتها أعجوبة معمارية وشاهداً على الطموح الفني؛ فقد شُيدت عام 1926 لتجسد أسلوب عصر النهضة الإيطالي، بما يميزه من تناسق في النسب، وزخارف كلاسيكية، وتوازن متناغم، مما يعكس شغف وايت فيليبس بالثقافة الأوروبية ورغبته في خلق منزل يحاكي أناقة الفيلات الأرستقراطية في إيطاليا. وتزدان المساحات الداخلية بأثاث فاخر —من ستائر حريرية ومرايا مذهبة وخزف عتيق— مما يخلق أجواءً من الفخامة والرقي، مع عناية فائقة بالإضاءة الطبيعية التي تتدفق عبر النوافذ المقوسة لتعزز جمال الأعمال الفنية وتدعو للتأمل. وتكتمل هذه العظمة المعمارية بحدائق الفيلا، التي صممها مهندس المناظر الطبيعية ويليام دانيلز، لتكون واحة هادئة توفر ملاذاً يغمر الزوار في روعة الطبيعة، حيث تساهم الخضرة اليانعة والشجيرات المشذبة بعناية والبرك الساكنة في خلق بيئة تلهم الإبداع وتعزز الرفاهية.
إن قصة فيلبورك بدأت في عام 1939، عندما وهب وايت فيليبس فيلته ومجموعتها الفنية المتنامية لمدينة تولسا، في عمل سخي رسخ دور المتحف كركيزة ثقافية لولاية أوكلاهوما. ومنذ بداياتها التي ضمت أعمالاً من جمعية تولسا للفنون إلى جانب القطع الموجودة في الفيلا، شهد المتحف توسعات مدروسة، أبرزها إضافة جناح حديث في عام 1990، مما وسع قدرته على استضافة معارض متنوعة واستيعاب جمهور متزايد. وطوال تاريخه، ظل فيلبورك ملتزماً بالوصول المجتمعي، من خلال تقديم دروس فنية للفنانين الطموحين، وبرامج تعليمية تهدف إلى إيقاد شرارة الفضول لدى أطفال المدارس، ومبادرات تسعى لتعزيز تقدير الفنون بين سكان تولسا.
وخلف هذه الجدران، يقدم متحف فيلبورك تجربة حسية متكاملة؛ فهو ليس مجرد احتفاء بالفن البصري، بل هو احتفال بالتجربة الحسية برمتها. فحدائق الفيلا، التي تعد ملاذاً أخضر، تدعو الزوار للتجول بين الزهور الفواحة والممرات المائية الهادئة، مما يخلق بيئة تغذي الروح وتحفز التأمل. كما أن معارض فيلبورك منسقة بعناية لتشمل أنواعاً وعصوراً مختلفة، بهدف إثارة الفضول الفكري وفتح باب الحوار حول دور الفن في تشكيل الإدراك البشري. إن زيارة فيلبورك هي أكثر من مجرد مشاهدة لأعمال فنية؛ إنها انطلاق في رحلة عبر التاريخ والثقافة وقوة التعبير الإبداعي التحويلية، وهي شهادة حية على الإرث الخالد لوايت فيليبس والتزام مدينة تولسا بتعزيز الحيوية الفنية.