متحف نيوزيلندا تيبابا تونغاريفا: صندوق كنوز الحكايات
يبرز متحف "تيبابا تونغاريفا" – وهو ما يعني
"صندوق الكنوز"
بلغة الماوري – كمنارة للتراث الثقافي والابتكار الفني، مستقراً في قلب المشهد الواجهي النابض بالحياة في مدينة ويلينغتون. إن هذا الصرح ليس مجرد مجموعة من القطع الأثرية، بل هو تجسيد لروح نيوزيلندا؛ ذلك الالتزام بالثقافة المزدوجة الذي ينسج الرؤى الماورية مع السرديات العالمية في كل جانب من جوانب عمله. ومنذ تأسيسه في عام 199ﻠ، عقب اندماج متحف الدومينيون والمعرض الوطني للفنون، تعكس رحلة "تيبابا" الهوية المتطورة لنيوزيلندا، متميزة بتصميم معماري رائد وتفانٍ في تعزيز التفاهم بين الثقافات.
ويتجلى الإبداع في المبنى المذهل للمتحف، الذي يعد بحد ذاته شهادة على البراعة البشرية، حيث شُيد على أراضٍ مستصلحة كانت تشغلها سابقاً مجمع فندقي. وقد تطلب هذا المشروع الطموح تقنيات مكثفة لضغط التربة، مما نتج عنه أساس متين يثبت الهيكل بقوة وسط النشاط الزلزالي الذي تشهده ويلينغتون. ومن الناحية المعمارية، يستلهم المبنى روحه من البيئة الطبيعية لنيوزيلندا، لا سيما غابات "الريمو"، حيث دمج الألواح الخشبية والنوافذ الواسعة لتعظيم نفاذ ضوء النهار وخلق تجربة غامرة للزوار. كما يحاكي شكل المبنى عن عمد تضاريس التلال المحيطة، ليرمز إلى الصمود والارتباط بالأرض، في إشارة مقصودة إلى مفهوم
"الواكابابا"
(النسب) والروابط السلفية لدى الماوري.
وتتمحور المهمة الجوهرية للمتحف حول الاحتفاء بالتراث الثقافي المتنوع لنيوزيلندا، حيث تمتلك مجموعة الثقافة الماورية لديه تفردًا لا يضاهى، إذ تعرض الـ
"تاونغا"
– وهي المقتنيات الثمينة – بدءاً من منحوتات
"الواكاهيرو"
الخشبية المعقدة، وصولاً إلى نسيج الكتان النابض بالحياة وعروض رقصة
"الهاكا"
القوية. وتضيء هذه القطع التقاليد والمعتقدات والإنجازات الفنية لشعب الماوري عبر القرون، مما يقدم رؤية لا تقدر بثمن لعالمهم. وإلى جانب الكنوز الماورية، يضم "تيبابا" مجموعات رائعة تشمل تاريخ نيوزيلندا، من التكوينات الجيولوجية إلى المستوطنات الاستعمارية، وفنون التصميم التي تجمع بين اللوحات التاريخية والمنحوتات المعاصرة، بالإضافة إلى معروضات التاريخ الطبيعي التي توثق الحياة النباتية والحيوانية في البلاد. كما يغوص قسم ثقافات المحيط الهادئ في التقاليد الفنية لـ "بولينيزيا"، مقدماً عروضاً ساحرة من قماش "التابا" والأقنعة الطقسية والأدوات السردية التي تروي حكايات الرحلات البحرية والتبادل الثقافي.
ويتميز "تيبابا" بالتزامه بالتعلم التجريبي، من خلال معارض تفاعلية صُممت لتأسر الجمهور من جميع الأعمار والخلفيات؛ فمن ورش العمل اليدوية التي تستكشف تقنيات الفن الماوري إلى البيئات الغامرة التي تعيد تجسيد الأحداث التاريخية، ينطلق الزوار في رحلات استكشافية تتجاوز مجرد المشاهدة السلبية. وقد تناولت المعارض الأخيرة التحديات البيئية الملحة التي تواجه نيوزيلندا، مما دفع إلى تفكير نقدي في جهود الاستدامة والحفاظ على الطبيعة. علاوة على ذلك، يستعرض معرض
"توي آرت"
في المتحف تشكيلة مختارة من الأعمال الفنية من جميع أنحاء العالم، مما يعزز الحوار بين الثقافات ويثري التقدير الفني.
ومن بين مقتنياته الاستثنائية، تبرز اللوحات المائية الرائعة للفنانة سارة آن فيتون، وهي رائدة في فن الرسم النباتي منذ عام 1887. وتجسد هذه التصويرات الدقيقة للنباتات المحلية دقة وأناقة التوضيح العلمي الفيكتوري، وهي محفوظة الآن في متاحف بارزة مثل "تيبابا". إن تفاني "فيتون" في التقاط تفاصيل شكل النبات ولونه يعكس توجهاً أوسع لتوثيق العالم الطبيعي بحساسية فنية، وهو إرث لا يزال يلهم رسامي النباتات المعاصرين.
وفي سياق متصل، تبرز الفنانة جوديث آن داراغ، التي تحول منحوتاتها التجميعية الأشياء الموجودة إلى أعمال فنية مثيرة للتفكير. وباستلهام مفاهيم الماوري حول
"الكايتياكيتانغا"
(الوصاية) و
"الواكابابا"
، تستكشف منحوتات "داراغ" موضوعات الهوية والذاكرة والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، مما يعد شهادة على التأثير الدائم للتقاليد الفنية الماورية في الممارسة الفنية المعاصرة. وتؤكد معارضها في المجموعات العامة التزام المتحف بدعم الفنانين الذين يتناولون القضايا الاجتماعية والبيئية المعقدة.
إن زيارة "تيبابا" تكتمل باستكشاف مدينة ويلينغتون نفسها، وهي أقصى عاصمة جنوبية لدولة ذات سيادة، وتتميز بمناخ بحري معتدل وتشتهر بأجوائها العاصفة. ويبدو الارتباط بالتقاليد الشفهية للماوري ملموساً، كما يتضح من الاحتفاء بـ "أسبوع اللغة الفيجية" – الذي يركز على شعار
"لغتي تبدأ من منزلي"
– مما يسلط الضوء على تفاني المتحف في تعزيز التفاهم بين الثقافات والترويج للتنوع اللغوي.