تاريخ وجذور Saragossa Museum
انبثق Saragossa Museum، المعروف أيضاً باسم Museo Provincial de Bellas Artes، من حركة ثقافية خاصة هدفت إلى تأسيس متاحف إقليمية في جميع أنحاء إسبانيا، وذلك استجابةً لمرسوم ملكي صدر عام 1913. وقد تأسست هذه المؤسسة رسمياً في عام 1916، مما شكل لحظة فارقة في المشهد الثقافي لمدينة سرقسطة الإسبانية. بدأت رحلة وجودها بين جدران كلية سان سيباستيان اليسوعية السابقة، وهو المكان الذي وفر الحجر الأساس لمجموعاتها الفنية المتنامية.
انتقل المتحف في نهاية المطاف إلى موقعه الحالي في Plaza de los Sitios, 6, 50001 Zaragoza، وقد أتاح هذا الانتقال للمؤسسة توسيع نطاق انتشارها وتعزيز قدرتها على احتضان أعمال فنية ذات قيمة استثنائية. والجدير بالذكر أن المبنى نفسه قد صُمم خصيصاً من أجل المعرض الإسباني الفرنسي عام 1908، أي قبل التأسيس الرسمي للمتحف بعدة سنوات؛ وهذا الارتباط بفترة المعرض يربط الوجود المادي للمتحف بحقبة محددة من التطور المعماري والمدني الذي شهدته المدينة.
العمارة المهيبة للمتحف
لقد وُلد هذا الصرح المعماري ليكون جزءاً من المعرض الإسباني الفرنسي عام 1908، حيث صممه المعماريان المبدعان ريكاردو ماغدالينا وخوليو برافو. يمتد المبنى على مساحة شاسعة تبلغ 3,200 متر مربع، بواجهة عرضها 55 متراً وعمق يصل إلى 52 متراً. وتتألق الواجهة الخارجية بمزيج ساحر من الحجر والطوب الفاخر، تزدان بأقواس نصف دائرية وكرانيش ضخمة تمنح المبنى هيبة تاريخية. أما في الطابق الثاني، فتتجلى روعة التصميم من خلال أروقة مستوحاة من طراز عصر النهضة، تضفي إيقاعاً كلاسيكياً متناغماً على واجهة المبنى.
أما في الداخل، فتنساب المساحات وفق تصميم يتألف من ثلاثة طوابق، حيث يستمد الفناء الداخلي إلهامه من فناء "زابورتا"، ليخلق بؤرة مركزية من الضوء والانشراح وسط الجدران الحجرية الرصينة. ويعكس التصميم جوهر طراز عصر النهضة الجديد، مؤكداً على مفهوم الخلود من خلال استخدام مواد ثقيلة ونسب معمارية متوازنة. إن حضور هذا المبنى في قلب المدينة يتحدد من خلال هذه اللغة المعمارية المدروسة، التي تسعى جاهدة لتحقيق التناغم والانسجام بين مختلف أقسام هذه المؤسسة العريقة.
المجموعات والأقسام الرئيسية
يحتضن المتحف بين جدرانه أكثر من 2,000 عمل فني تتوزع عبر عدة أقسام متخصصة، حيث تروي المجموعة الدائمة حكاية التاريخ من خلال قسم الآثار وفنون العصور القديمة، الذي يتتبع جذور الوجود البشري الأول في وادي إيبرو. وإلى جانب هذه البقايا الأثرية العريقة، يركز قسم الفنون الجميلة على النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، حيث يضم هذا القسم أعمالاً استثنائية لكل من فرانسيسكو غويا وخواكين سورولا، مما يمنحنا لمحة حية عن تفاصيل الحياة الإسبانية في حقبة غابرة. كما يساهم القسم المخصص لفنون شرق آسيا في إثراء هذا التنوع الثقافي الواسع الذي تتمتع به مقتنيات المتحف.
وخارج حدود المبنى الرئيسي، يمتد قسم الإثنوغرافيا والخزف في منتزه خوسيه أنطونيو لابوردا، وهو قسم يشتهر بتميزه من خلال مجموعة من الخزف الإيبيري التي تعكس التقاليد الفنية العريقة للمنطقة. وتبرز براعة التنسيق المتحفي في التأكيد على الروابط الوثيقة بين هذه المكتشفات الأثرية وحركات الفنون الجميلة اللاحقة، حيث يتيح وجود هذه القطع المتنوعة فرصة فريدة لإجراء دراسة زمنية متصلة للثقافة المادية التي ميزت هذه المنطقة عبر العصور.
روائع المجموعة الفنية
يتجلى حضور فرانشيسكو غويا بين هذه الجدران من خلال عدة أعمال فنية بارزة، حيث تحتل لوحة عذراء بيلار مكانة مركزية في هذه المجموعة. إن لمسات ريشته وبراعته في تطويع الضوء ترسم ملامح جزء كبير من التقاليد الفنية الإسبانية الممثلة هنا، مما يمنح الزائر تجربة مباشرة وملهمة للتواصل مع يد الفنان المبدع.
وتعود جذور هذه المجموعة الفنية إلى أواخر القرن الخامس عشر، وتحديداً مع لوحة بارتولومي بيرميجو المعنونة النزول عن الصليب، والتي يعود تاريخها إلى عام 1477 تقريباً، وهي لوحة تمنح شعوراً عميقاً بالثقل التاريخي والجلال. وبالقرب منها، تبرز لوحة بورتريه جيان باولو زابي التي رسمتها لافينيا فونتانا عام 1581، لتقدم منظوراً مختلفاً لفن البورتريه؛ حيث تدعو التفاصيل الدقيقة لملامح الشخصية المصورة إلى تأمل هادئ ومستمر.
وتشمل اللوحات القماشية الهامة الأخرى عمل لوكا جيوردانو المعنون سيفالوس وبروكريس في حضرة ديانا، والتي رُسمت في عام 1695، حيث تحمل تكويناتها الطاقة الخاصة التي ميزت أواخر القرن السابع عشر. وفي مسار فني مغاير، تأتي لوحة كارلوس دي هيس المعنونة منظر طبيعي لغابة ونهر من عام 1862، لتجسد العالم الطبيعي من خلال عدسة منتصف القرن التاسع عشر. إن كل قطعة فنية في هذا المتحف تقف ككيان مستقل بذاته، تدعو المشاهد للتأمل الطويل أمام الملامح الفريدة والألوان الغنية للطلاء الأصلي.
