ملاذ من الفخامة الكلاسيكية الجديدة
في قلب جزيرة "سلوتس هولمن" الهادئة، حيث ينبض تاريخ كوبنهاغن، وعلى مسافة لا تتعدى رمية حجر من قصر كريستيانسبورغ، يربض متحف يتجاوز الحدود التقليدية للمعارض الفنية. إن متحف ثورفالدسن ليس مجرد مستودع للمنحوتات الحجرية؛ بل هو بيئة متكاملة صيغت بدقة متناهية، وتجسيد معماري للرؤية الفنية لبيرتل ثورفالدسن، أعظم رواد الكلاسيكية الجديدة في الدنمارك. تأسس المتحف عام 1848 على يد أرملته، آنا ماريا فون أودن، ليقف شاهداً حياً على تفانٍ فريد في إحياء المبادئ السامية لليونان وروما القديمتين. إن عبور بواباته الصرحية يعني ترك صخب العالم الحديث خلفك، والدخول إلى عالم يتنفس فيه الرخام بنعمة وعراقة الماضي.
وتعمل العمارة ذاتها، التي صممها مايكل غوتليب بيندسبيول، كمقدمة عميقة للفن الذي يحتويه. فمنذ اكتمال البناء بين عامي 1838 و1مان48، تبرز واجهة المبنى كدراسة مذهلة في الجلال المتقشف، حيث تتميز بمدخل شبه منحرف ضخم وأعمدة كورنثية مهيبة. ويلتف حول الهيكل الخارجي إفريز حيوي يصور عودة ثورفالدسن المنتصرة من روما، ليروي قصة رحلة حياته قبل أن يطأ الزائر عتبة المكان. وفي الداخل، تصبح التجربة أكثر غماراً؛ إذ تزدان الأسقف بأسلوب "غروتسكي" راقٍ، يضم شخصيات خيالية وزخارف نباتية رقيقة تخلق أجواءً تجمع بين المرح والعمق الفكري. وبالنسبة لمصمم الديكور الداخلي أو عاشق الجمال الكلاسيكي، يقدم المتحف درساً لا مثيل له في كيفية تناغم العمارة والزخرفة لخلق فضاء عاطفي متماسك.
الروح في الرخام: روائع وتحف أثرية
في قلب هذه المجموعة، تكمن الأعمال الصرحية لثورفالدسن نفسه. يتيح المتحف للزوار تتبع التطور العميق للنحات، بدءاً من الرسومات التحضيرية الرقيقة والنماذج الجبسية، وصولاً إلى الانتصارات الرخامية المذهلة التي حددت ملامح عصر بأكمله. ولا يسع المرء إلا أن يتأثر بالحضور الطاغي لتماثيله، مثل تماثيل نيكولاس كوبرنيكوس و جوزيف بونياتوفسكي ، التي لا تجسد الدقة التشريحية فحسب، بل تحمل رنيناً فكرياً عميقاً. ولعل أكثر ما يثير الرهبة هو ضريحه المخصص للبابا بيوس السابع؛ ذلك الإنجاز الضخم الذي يظل المنحوتة الوحيدة غير الكاثوليكية الموجودة داخل كاتدرائية القديس بطرس في روما، ليبقى رمزاً عالمياً للطموح الفني.
ومع ذلك، فإن كنوز المتحف تمتد إلى ما هو أبعد من يد النحات نفسه. فقد كان ثورفالدسن جامعاً شغوفاً بكنوز العالم القديم، وقد ترك شغفه بالآثار مجموعة رائعة من القطع اليونانية والرومانية والمصرية. يمكن للزوار التجول في قاعات مليئة بالمزهريات الرائعة والبرونزيات والنقوش التي كانت بمثابة نبع إلهامه. وتزداد هذه المجموعة ثراءً بمجموعة واسعة من الميداليات والعملات والكتب النادرة، مما يقدم رؤية متعددة الأبعاد للحركة الكلاسيكية الجديدة. إن هذا المزيج بين الإرث الشخصي والتقييم التاريخي هو ما يجعل المتحف وجهة فريدة للباحثين وجامعي التحف على حد سواء، حيث يعرض العالم القديم ليس كأثر من الماضي، بل كتأثير حي ونابض في الحاضر.
إرث حي في عالم معاصر
رغم جذوره الضاربة في القرن التاسلد عشر، يظل متحف ثورفالدسن قوة ثقافية ديناميكية تستمر في التفاعل مع مشهد الفن المعاصر. لقد أصبح هذا الصرح مسرحاً للحوار بين القديم والجديد، حيث يستضيف معارض بارزة مثل معرض بهارتي خير – ميثولوجيات ، حيث تتحدى التدخلات النحتية الحديثة المحيط الكلاسيكي وتكمله في آن واحد. إن هذه القدرة على تعزيز الحوار بين العصور المختلفة تضمن ألا يبدو المتحف أبداً كمقبرة ساكنة، بل كملاذ إبداعي متطور ونابض بالحياة.
وفي عصر يركز بشكل متزايد على الاستدامة، يعكس حصول المتحف مؤخراً على شهادة الوجهة الخضراء التزاماً حديثاً بالسياحة المسؤولة والحفاظ على البيئة. إن هذا التفاني في حماية الفن والكوكب معاً هو تحية لائقة لثورفالدسن، الفنان الذي ناصر الجمال والانسجام والقوة الأبدية للبيئات المصممة بعناية. ولكل من يبحث عن الإلهام—سواء من خلال عدسة التاريخ، أو السعي وراء الأناقة الكلاسيكية، أو استكشاف الابتكار النحتي الحديث—يظل متحف ثورفالدسن وجهة لا غنى عنها في رحلة البحث عن الجمال.
